فخر الدين الرازي
227
تفسير الرازي
المسألة الأولى : اعلم أن أشرف الأجسام الموجودة في العالم السفلي بعد الإنسان سائر الحيوانات لاختصاصها بالقوى الشريفة . وهي الحواس الظاهرة والباطنة ، والشهوة والغضب ، ثم هذه الحيوانات قسمان : منها ما ينتفع الإنسان بها ، ومنها ما لا يكون كذلك ، والقسم الأول : أشرف من الثاني ، لأنه لما كان الإنسان أشرف الحيوانات وجب في كل حيوان يكون انتفاع الإنسان به أكمل . وأكثر أن يكون أكمل وأشرف من غيره ، ثم نقول : والحيوان الذي ينتفع الإنسان به إما أن ينتفع به في ضروريات معيشته مثل الأكل واللبس أو لا يكون كذلك ، وإنما ينتفع به في أمور غير ضرورية مثل الزينة وغيرها ، والقسم الأول أشرف من الثاني ، وهذا القسم هو الأنعام ، فلهذا السبب بدأ الله بذكره في هذه الآية ، فقال : * ( والأنعام خلقها لكم ) * . واعلم أن الأنعام عبارة عن الأزواج الثمانية وهي : الضأن ، والمعز . والإبل . والبقر ، وقد يقال أيضاً : الأنعام ثلاثة : الإبل . والبقر . والغنم . قال صاحب " الكشاف " : وأكثر ما يقع هذا اللفظ على الإبل . وقوله : * ( والأنعام ) * منصوبة وانتصابها بمضمر يفسره الظاهر كقوله تعالى : * ( والقمر قدرناه منازل ) * ( يس : 39 ) ويجوز أن يعطف على الإنسان . أي خلق الإنسان والأنعام ، قال الواحدي : تم الكلام عند قوله : * ( والأنعام خلقها ) * ثم ابتدأ وقال : * ( لكم فيها دفء ) * ويجوز أيضاً أن يكون تمام الكلام عند قوله : * ( لكم ) * ثم ابتدأ وقال : * ( فيها دفء ) * قال صاحب " النظم " : أحسن الوجهين أن يكون الوقف عند قوله : * ( خلقها ) * والدليل عليه أنه عطف عليه قوله : * ( ولكم فيها جمال ) * والتقدير لكم فيها دفء ولكم فيها جمال . المسألة الثانية : أنه تعالى لما ذكر أنه خلق الأنعام للمكلفين أتبعه بتعديد تلك المنافع ، واعلم أن منافع النعم منها ضرورية ، ومنها غير ضرورية ، والله تعالى بدأ بذكر المنافع الضرورية . فالمنفعة الأولى : قوله : * ( لكم فيها دفء ) * وقد ذكر هذه المعنى في آية أخرى فقال : * ( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ) * ( النحل : 80 ) والدفء عند أهل اللغة ما يستدفأ به من الأكسية ، قال الأصمعي : ويكون الدفء السخونة . يقال : أقعد في دفء هذا الحائط ، أي في كنه . وقرئ : * ( دف ) * بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الفاء . والمنفعة الثانية : قوله : * ( ومنافع ) * قالوا : المراد نسلها ودرها ، وإنما عبر الله تعالى عن نسلها ودرها بلفظ المنفعة وهو اللفظ الدال على لوصف الأعم ، لأن النسل والدر قد ينتفع به في الأكل وقد ينتفع به في البيع بالنقود ، وقد ينتفع به بأن يبدل بالثياب وسائر الضروريات فعبر عن جملة هذه الأقسام بلفظ المنافع ليتناول الكل .